ابن تيمية
9
مجموعة الفتاوى
بِالْفُرْقَانِ نَفْسُ الْمَصْدَرِ فَيَكُونُ إنْزَالُهُ كَإِنْزَالِ الْإِيمَانِ وَإِنْزَالِ الْعَدْلِ فَإِنَّهُ جَعَلَ فِي الْقُلُوبِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِالْقُرْآنِ كَمَا جَعَلَ فِيهَا الْإِيمَانَ وَالْعَدْلَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْمِيزَانُ قَدْ فُسِّرَ بِالْعَدْلِ وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ مَا يُوزَنُ بِهِ لِيُعْرَفَ الْعَدْلُ وَهُوَ كَالْفُرْقَانِ يُفَسَّرُ بِالْفَرْقِ وَيُفَسَّرُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ ؛ فَإِذَا أُرِيدَ الْفَرْقُ نَفْسُهُ فَهُوَ نَتِيجَةُ الْكِتَابِ وَثَمَرَتُهُ وَمُقْتَضَاهُ وَإِذَا أُرِيدَ الْفَارِقُ فَالْكِتَابُ نَفْسُهُ هُوَ الْفَارِقُ وَيَكُونُ لَهُ اسْمَانِ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ لَيْسَتْ هِيَ الصِّفَةَ الْأُخْرَى سُمِّيَ كِتَاباً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَجْمُوعٌ مَكْتُوبٌ تُحْفَظُ حُرُوفُهُ وَيُقْرَأُ وَيُكْتَبُ وَسُمِّيَ فُرْقَاناً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ كَمَا تَقَدَّمَ كَمَا سُمِّيَ هُدًى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ وَشِفَاءً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَشْفِي الْقُلُوبَ مِنْ مَرَضِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ . وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ " الرَّسُولِ " كَالْمُقْفِي وَالْمَاحِي وَالْحَاشِرِ . وَكَذَلِكَ " أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى " كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَالْمَلِكِ وَالْحَكِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَالْعَطْفُ يَكُونُ لِتَغَايُرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى وَاحِداً كَقَوْلِهِ : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } { وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } وَقَوْلِهِ : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } وَنَحْوُ ذَلِكَ .